مرّت الحركة الثقافية الأمازيغية بمجموعة من المراحل:المرحلة الأولى، من أواخر الستينيات إلى سنوات الثمانينيات، وتمثِّل مرحلةَ التأسيس للحركة الثقافية الأمازيغية. فقد كنَّا، كطلبة، في حاجة إلى تكوينٍ وتأهيلٍ خاصَّيْن لقدراتنا الفكرية؛ وتمكَّنّا آنذاك، إلى جانب تجميع التراث وتسجيله وتدوينِه واستصدارِ بعض الأعمال، من تكوين أنفسنا كلسانيين وأنثروبولوجيين وسياسيين. وفي صيف 1980 بادرت الحركةُ الثقافيةُ الأمازيغية إلى خلق جمعية”الجامعة الصيفية“ بأكادير، وهي أول جامعة صيفية يَشْهدها المغربُ آنذاك، وبمثابة جسر للاحتكاك وللتلاقح. وأحست الحركةُ الثقافيةُ الأمازيغية أنّها أَضْحتْ تَمْتلك أرضيةً فكريةً تَسْمح لها بمبارزة الإيديولوجيات السائدة لحظتها - وبالأخصّ القومية العربية والاشتراكية والإسلامية.
كما استطاعت الحركة الأمازيغية في تلك الفترة تحطيمَ حاجز كان قائمًا في الثقافة المغربية، ويتمثّل في شيوع نزعة التقوقع ورفضِ الآخر وإقصائه لمجرد الاختلاف معه. فكان أن دَعَتْ إلى جامعتها الصيفية كافةَ التيارات الموجودة في الساحة السياسية والفكرية المغربية. ولأول مرة بدأ المجتمعُ المغربي يَسْمع أصواتًا تعبِّر عن هموم الأمازيغ في المغرب، لدرجةِ أنّ غالبية الأحزاب في تلك الفترة أَقْدمتْ على تنظيم ندوات لشبابها قَصْدَ تعريفهم بأبعاد الحركة الأمازيغية؛ كما بدأتْ تُطرح في داخل المجتمع أسئلةٌ مدارُها: هل هؤلاء الأمازيغ على صواب أم هم زائغون عن الطريق؟
المرحلة الثانية تمتدّ من 1980 إلى 1991، وهي مرحلة الجَهْرِ بالقضية، وتمثَّلتْ في عقد ندوات ولقاءات جماهيرية. ونَذْكر في هذا السياق أنّ السلطة العمومية أَقدمتْ سنة 1982 على منعنا من تنظيم الدورة الثانية للجامعة الصيفية؛ فعَقَدْناها بشكل سريّ في البيوت، ومع ذلك لاحقت السلطاتُ الحركةَ الثقافيةَ باعتقال مناضليها ــ ومن بينهم الأستاذ علي صدقي أزايكو. وفي سنة 1988 أقدمت الحركةُ الثقافية الأمازيغية على تنظيم الدورة الثالثة للجامعة قصد جسّ نبض السلطة والأحزاب. وبالفعل تلقّيْنا إشارات بالإيجاب من جانب السلطة.
ولكنْ بعد سنة 1988 تبيَّن للحركة الثقافية الأمازيغية عدمُ جدوى الاستمرار في نهج استراتيجية الأنشطة الجماهيرية المفتوحة. فقد ظهرتْ في تلك الفترة ستُّ جمعيات أمازيغية جديدة في شمال المغرب كما في جنوبه، فكان أنْ فكّرنا في تحضير ميثاق ثقافي نَعْرض فيه مطالبَنا. وفي هذا السياق أعدَّت”الجمعيةُ المغربيةُ للبحث والتبادل الثقافي“ مسوّدةَ الميثاق، وتم في 5/8/1991 في مدينة أكادير التوقيعُ على”ميثاق أكادير حول الثقافة واللغة الأمازيغيتيْن.“ وقد اعتُبرتْ هذه المرحلة البدايةَ الحقيقيةَ لخلق حركة ثقافية أمازيغية بشكل رسمي؛ وهو ما أتاح لنا إمكانيةَ وضع مطالبنا الحركية على مائدة الحكومة المغربية. ومن نتائج هذه الدينامية الجديدة قدومُ الدولة على امتحان شعبية الحركة الثقافية الأمازيغية. وبعد أن قامت السلطات المغربية سنة 1994 في كلميمة باعتقال أعضاء من جمعية”تيللي“ الأمازيغية، وتلتها سلسلةٌ من الاعتقالات الأخرى، دَخَلَ المغربُ في سيرورةٍ سياسيةٍ جديدة تمثَّلتْ في إصدار الملك عفوًا شاملاً عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي. وفي خطاب 02 غشت 1994 دعا الملك الراحل إلى تدريس اللغة الأمازيغية، الأمرُ الذي أشَّرَ على تحوُّل في طريقة تعامل الدولة مع المطالب المشروعة للحركة الثقافية الأمازيغية، بالرغم من أنّ هذه الدعوة ظلت من دون تطبيق فعلي طيلة سنوات حكم الملك الراحل.
المرحلة الثالثة، من 1994 إلى اليوم، وقد دشنتها الحركةُ الثقافيةُ الأمازيغية بفتح حوار مع المجتمع المدني بكل أطيافه. وهكذا نظمت”الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي“ سنةَ 1996حوارًا مع الأحزاب السياسية والتنظيمات والحركات العمَّالية والهيئات الثقافية والحركات الإسلامية بفصائلها الأربعة. وفي سنة 2001 ألقى الملك محمد السادس خطابًا بعد تولِّيه مقاليدَ الحكم نصَّ فيه على تلبية جزء من مطالب الحركة الثقافية الأمازيغية، وأَتْبَعه بخطاب”أجدير“ في 71/01/2002 وهو الخطاب الذي أقرَّ فيه الظهيرَ المؤسِّسَ للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
هذا الجزء مقتطف بدون تصرُّف من مداخلة الدكتور إبراهيم أخياط
مقتطف من ندوة نظمتها مجلة الآداب اللبنانية تحت عنوان "العروبة بعيون أمازيغية" و من إعداد محمد لبيض
كتبها abdessamade في 06:21 مساءً ::

الاسم: abdessamade

